الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

427

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إحدادها على أبي سلمة أن تجعل الصبر في عينيها بالليل وتمسحه بالنهار ، وبمثل ذلك أفتت أم سلمة امرأة حادا اشتكت عينيها أن تكتحل بكحل الجلاء بالليل وتمسحه بالنهار ، روي ذلك كله في « الموطأ » ، قال مالك : « وإن كانت الضرورة فإن دين اللّه يسر » : ولذلك حملوا نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المرأة التي استفتته أمها أن تكتحل على أنه علم من المعتدة أنها أرادت الترخص ، فقيضت أمها لتسأل لها . وأما ملازمة معتدة الوفاة بيت زوجها فليست مأخوذة من هذه الآية ؛ لأن التربص تربص بالزمان لا يدل على ملازمة المكان ، والظاهر عندي أن الجمهور أخذوا ذلك من قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [ البقرة : 240 ] فإن ذلك الحكم لم يقصد به إلّا حفظ المعتدة ، فلما نسخ عند الجمهور بهذه الآية ، كان النسخ واردا على المدة وهي الحول ، لا على بقية الحكم ، على أن المعتدة من الوفاة أولى بالسكنى من معتدة الطلاق التي جاء فيها لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] وجاء فيها أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ [ الطلاق : 6 ] وقال المفسرون والفقهاء : ثبت وجوب ملازمة البيت بالسنة ، ففي « الموطأ » و « الصحاح » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال للفريعة ابنة مالك بن سنان الخدري ، أخت أبي سعيد الخدري لما توفي عنها زوجها : « امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » وهو حديث مشهور ، وقضى به عثمان بن عفان وفي « الموطأ » أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج ، وبذلك قال ابن عمر ، وبه أخذ جمهور فقهاء المدينة والحجاز والعراق والشام ومصر ، ولم يخالف في ذلك إلّا علي وابن عباس وعائشة وعطاء والحسن وجابر بن زيد وأبو حنيفة وداود الظاهري ، وقد أخرجت عائشة رضي اللّه عنها أختها أم كلثوم حين توفي زوجها طلحة بن عبيد اللّه إلى مكة في عمرة ، وكانت تفتي بالخروج ، فأنكر كثير من الصحابة ذلك عليها ، قال الزهري : فأخذ المترخصون بقول عائشة ، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر . واتفق الكل على أن المرأة المعتدة تخرج للضرورة ، وتخرج نهارا لحوائجها ، من

--> بعرة فترمي بها من وراء ظهرها ثم تسرع إلى بيت أهلها وتراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب وغيره وتحل للخطاب قالوا : وفي البعرة رمز إلى أن ما فعلته في مدة الحول التي مضت أمر هين بالنسبة إلى عظم مصابها بزوجها كأنه بعرة .